عُقدة الطاهرة والعاهرة

عُقدة الطاهرة والعاهرة والتي تُعرف بـ(عُقدة مادونا والعاهرة – Madonna/whore complex)

مادونا هي “إشارة للسيدة مريم” في الديانة المسيحية بينما العاهرة هو الصورة المُناقضة لمريم بالمفهوم الديني، وبالرغم من كونها تعتمد علي ألفاظ مُشتقة من مصادر دينية وإجتماعية إلا أنها في الأساس لا دخل للدين بها بل هو مجرد إقتباس لمسمي تم إستخدامه لتسهيل المعرفة بسبب أرتباطه بشئ اعتاد الناس علي تصوره، ولذلك تُعرف بشكل علمي نفسي بـ(عُقدة الطاهرة والعاهرة) كتوصيفات موضوعية.

وتعتبر عُقدة الطاهرة والعاهرة مشكلة جنسية مرتبطة بالذكور بشكل خاص، فهُم يُصابون بخلل في إستجابتهم الجنسية يجعلهم غير قادرين علي الحفاظ علي الأنتصاب أثناء ممارسة الجنس أو فقدان للرغبة الجنسية من الأساس تجاه الأنثي التي يشعرون تجاهها بالحب أو تربطهم ببعضهم علاقة زوجية وذلك لإعتقادهم أن الجنس مُدنس لا ينبغي أن تتواجد زوجتهم أو حبيبتهم في إطاره وبالتالي يَفقدن الرغبة الجنسية فيهن أو لا يتمكنون من وضعهم في سيناريو جنسي طبيعي وصحي.

كان أول من وضعها بداخل أطروحة كاملة هو “سيغموند فرويد” فقد شخصها كحالة عجز جنسي وأسسها علي طبيعتي الرغبة والحب والخلاف الصوري بينهما، فالحُب بشكله البدائي مرجعيته الأول هو حُب الأم بشكل غريزي وهو حُب بلا رغبة جنسية فهي لها مكانة معينة لا يُمكن أن يتخيلها الشخص تُمارس الجنس أو تتعري جسديًا أمام ذكر آخر، بينما علي النقيض تقبع الرغبة بما فيها من تعري وإشتهاء وبالتالي لا يمكن للذكر المُصاب بتلك العُقدة أن يتخيل زوجته أو حبيبته في سيناريو جنسي طبيعي ويفضل أن يحتفظ بيها في مكانة الام بتوهمه أن حُبه لها يُنزهها عن دناسة الجنس.

وقد عبّر عن ذلك بقوله :

“حينما يُحب هؤلاء الرجال لا يكون للرغبة مكان، وعندما يرغبون لا يستطيعون الحب”

ويري “أوّي هارتمانْ” الطبيب النفسي السريري، أنه بالرغم من أن عدد كبير من تنظيرات وأطروحات فرويد ليست دقيقة وبها الكثير من نقاط الضعف إلا أن أطروحته عن “عُقدة الطاهرة والعاهرة” مُنضبطة جدًا ويمكنها تفسير الواقع ولكن ينقصها تفسير خوف بعض الذكور من الإرتباط بأنثي تمتلك رغبة وإرادة جنسية مُعلنة.

وتبدو الإجابة جليّة بدراسة مُتفحصة لما أحدثته الثورة العلمية والجنسية من تغيرات في مراكز القوي الإجتماعية، فالأنثي أصبحت طرف أساسي كشريك في العلاقة الجنسية وتمتلك سُلطة علي جسدها ويُمكنها أن تُبادر وتمارس الجنس بدون الخوف من الحمل لتطور وسائل منعه بالإضافة إلي إدراكها أنها تملك جسدها بشكل كامل وبالتالي تسحب سُلطة تقرير المصير القديمة التي كانت سارية وتجعل من الأنثي التي تتحرر من الأدوار الإجتماعية البدائية عاهرة في نظر المُجتمع.

فآثار تلك التطورات فتحت أمامها إمتدادات نفسية شكّلت عقدًا في نفوس بعض الذكور الذين لم يستطيعوا أن يتخيلوا علاقة جنسية يُمكن فيها تقييمهم أو الحكم عليهم أو طلب المزيد بشكل مُحرج لهم، وفي تلك الحالة يمكن القول أن العقدة يمكن أن تظهر في هاجسى (الخجل والقلق)، فإعتبار الجنس وما يحدث فيه دنس يجعل بعضهم يخجل من مشاركته مع شريكته والبعض الآخر يعتقد أن بتطويره لحياته الجنسية وإضافة المزيد من الأنشطة والسلوكيات الجنسية قد يجعل من زوجته تطلب الجنس مما يجعله مُلزمًا بالوفاء دائمًا وهو ما سيجعل منها عاهرة تطلب المزيد طبقًا لأوهامه.

وقد تطورت تلك العُقدة بتطور الحياه الإجتماعية للبشر فبدلاً من أن تأتي للذكور بصورتها التقليدية “انخفاض الرغبة في الأنثي التي يُحبها أو صعوبة الحفاظ علي الأنتصاب أثناء العلاقة الجنسية مع زوجاتهم” لتظهر في صورة أخري وهي “تجنب طلب بعض الأنشطة والسلوكيات الجنسية” وذلك لإعتقاده أن تلك الأنشطة الجنسية التي يرغب فيها ستُدنسها بالرغم من أنه يمارس الجنس معها بشكله الروتيني المعتاد كنوع من تفريغ الرغبة الجنسية ودائمًا يتخيل حصوله علي تلك المداعبات والممارسات عبر خدمة الجنس مقابل المال “الدعارة”.

  • العلاج
    أي مشكلة لا تُعيب صاحبها ولكن ما يُعيبه هو عدم إعترافه بالمُشكلة وإعتقاده أن إنكاره لها سيجعلها تختفي.

ويتمثل علاج تلك العُقدة بتوضيح مجموعة حقائق لا ينبغي أن تغيب عن عقله كي تتبدد أوهامه عن الطُهر والدناسة، فممارسة الجنس لا يُدنس الأنسان، والتعري ليس إنتقاصًا للفرد فجميعنا نولد عرايا وجميعنا نعلم تركيب جهازك التناسلي ونعلم بأنك وُلدت نتيجة لممارسة والدتك للجنس وخرجت من تلك الفتحة “المهبل” التي تناظر الفتحة التي تمتلكها شريكتك وترغب في أن تولج قضيبك بيها، فمهبلها ليس مُقدسًا وليس مُدنسًا وتقييمك للطُهر والدنس قائم علي ضعف إدراك لطبيعة الجنس بشكل عام.

فالغاية من الجنس هو أن تكون عاريًا، تلقائيًا، شغوفًا ومُتشوقًا، لكي تُصبح مُستمتعًا.

شريكتك الجنسية – سواء كانت حبيبتك أو زوجتك – هي أنسان مثلك ولكن بتركيب جسدي مغاير، ترغب في الجنس مثلما ترغب أنت فيه وتستمتع بمشاركتك لتلك اللحظات من المُتعة المزدوجة ولا تري نفسها مُدنسة برغبتها وسلوكها وتتيح لك المجال كي تتواجد بين اقدامها، ومثلما خرجت من بين أقدام أنثي اخري “والدتك” فأنت هُنا تعود إليهم وكيفما بدأت حياتك فمن خلال وجودك هُنا سوف تستمتع بنشوتها.

الحوار مع شريكتك بشكل مباشر وصريح وتجنب الإنكار والتجاهل لرغباتك هي عوامل أساسية تضمن نجاح علاقتك بشكل صحي وممتع لكما، فلا ينبغي أن تلجأ للخيانة لخجلك من مُصارحة شريكتك برغبتك وعلاج عُقدتك، حلْ مشكلتك كي تستطع أن تعش حياتك بشكل طبيعي بدون كبت جنسي لنفسك يعود بشكل سئ عليك وعلي من حولك بمُعاملتك لهم وسلوكك معهم.

وسكسولوجي تتمني لكم حياه سعيدة 😀

هل أعجبك؟ يُمكنك دعمنا عبر باتريون
اظهر المزيد

محمد الجلالي

المؤسس والمُنسق العام لمشروع سكسولوجي، وباحث غير أكاديمي في مجالي علم النفس وعلم الجنس، ودارس لعِلم الإجرام وفلسفة وتاريخ القانون

مقالات ذات صلة

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: